د حافظ أحمد عجاج الكرمي

51

الإدارة في عصر الرسول ( ص )

الذين يرجع إليهم اليهود في كل قضاياهم السياسية والإدارية والقضائية « 1 » . وقد أشارت الآية القرانية إلى ذلك فقال تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] « 2 » . ويبدو أن هؤلاء الأحبار كانوا يرهقون الناس بأخذهم الأموال مقابل المعاملات التي يقومون بها من زواج وطلاق وقضاء وغيرها ، فقال اللّه تعالى ينعي عليهم ذلك : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ [ التوبة : 34 ] « 3 » . ولعلنا لا نبتعد عن الحقيقة إن قلنا : إن الإدارة عند اليهود كانت إدارة دينية بحتة يقوم بها الأحبار ورجال الدين اليهودي . أما الإدارة المدنية عند العرب الذين نزلوا بجانب اليهود ، فكانت قد نظمت بأن انقسمت يثرب إلى دوائر زراعية « 4 » ، كل دائرة تابعة لبطن من البطون ، وكل بطن من البطون الكبيرة يضم طائفة من البطون الصغيرة ، يشرف عليها شيخ كل بطن من البطون ، كما أشار إلى ذلك السمهودي ( ت 1011 ه ) في كتابه « 5 » . ومع الوقت أصبح هناك شبه توازن في نظام الحكم بين بطون يثرب الكبيرة ، فكانت كل البطون تثور إذا أراد بطن كبير أن يستأثر بالنفوذ « 6 » ، إذ إن إقامة نوع من الحكم يهيمن على الشؤون العامة لم يكن ممكنا ، فلم تذكر الروايات أن أهل يثرب قد خضعوا لرئيس واحد ، ويبدو أن الحروب التي قامت بين الأوس والخزرج كانت نتيجة لهذا التنافس القبلي على الرياسة ، واحتلال مركز الصدارة في يثرب « 7 » . ولعل اليهود كان لهم الدور الأكبر في إثارة هذه النزاعات .

--> ( 1 ) ابن هشام ، السيرة ( م 1 ، ص 550 ، 564 ، 566 ) ( ابن إسحاق ) . ولفنستون إسرائيل ، تاريخ اليهود في بلاد العرب في الجاهلية وصدر الإسلام ، لجنة التأليف والنشر ، القاهرة ( 1927 م ) ( ص 21 ، 22 ) . ( 2 ) انظر : الزمخشري ، الكشاف ( ج 2 ، ص 185 ، 186 ) . والسيوطي ، الدر المنثور ( ج 4 ، ص 174 ) . ( 3 ) انظر : ابن كثير ، مختصر تفسير ابن كثير ، اختصار وتحقيق محمد علي الصابوني ( ط 7 ) بيروت ، دار القران الكريم ( 1402 ه ، 1981 م ) ( ج 2 ، ص 138 ، 139 ) . ( 4 ) السمهودي ، وفاء ( ج 1 ، ص 134 ، 135 ) . الشريف ، دور الحجاز ( ص 50 ) . ( 5 ) السمهودي ( ج 1 ، ص 134 ، 135 ) . وعن بطون الأوس والخزرج وتقسيماتها انظر : ابن الأثير ، الكامل . ( ج 1 ، ص 656 - 658 ) . والسمهودي ( ج 1 ، ص 136 ، 137 ، 146 ، 147 ، 148 ، 149 ) . ( 6 ) السمهودي ، وفاء ( ج 1 ، ص 152 - 156 ) . ولفنستون ، تاريخ ( ص 118 ) . ( 7 ) عن الحروب بين الأوس والخزرج انظر : ابن رستة ، الأعلاق ( ص 64 ) . وابن الأثير ، الكامل ( ج 1 ، ص 659 ، 663 ، 665 ، 672 ، 673 ، 676 ، 677 ، 678 ، 680 ، 681 ، 682 ) . والسمهودي ، وفاء ( ج 1 ، ص 152 - 156 ) .